الغرفة المغلقة

انتهى اليوم الدراسي و عاد جميع الطلاب الى بيوتهم مسرعين فقد كان الشتاء قارص و المطر شديد في هذا الوقت من السنة. الا اولاد العم محمود و علي, فهم يسكنان بعيدا عن المدرسة و تأخرت امهاتهما بسبب الامطار. رحل الجميع الا معلمة الرياضيات, الانسه وفاء, انتظرت مع علي و محمود لبعض الوقت. و لما مرّ اكثر من نصف ساعة اضرت للرحيل و نصحتهما بعدم الخروج من المدرسة الا حين تاتي امهاتهما. كان عم مرزوق يحرس المدرسة ليل نهار لكن في هذا الوقت كان قد غلبة النوم في كشكه الدافئ.

مشى علي و محمود في ممرات المدرسة بعيدا عن السقيع الاتي من الخارج. في اثناء مشيهم في الدور السفلي مروا بغرفة مغلقة, لم تكن فصلاً و لا غرفة مدرسين او مخزن. انها غرفة مغلقة لم يفتحها او يدخلها احدٍ قط لا طالب ولا مدرس, تكثر حولها الروايات و الاقاويل و الاساطير. بعضها منطقي و الاخر خيالي.

 الوحيد الذي يعرف ما بداخلها هو الاستاذ مجاهد, مدير المدسة. دائما يحذر التلاميذ من دخولها او محاولت فتحها فكانوا يتفادون المرور من امامها و اذا مروا كانوا خائفين فكان يقول لهم الاستاذ مجاهد ان بها ست كلاب شرسة متوحشة طول الواحد متر و نصف المتر و لهم انياب تفتك العظام تكاد قوتهم تفوق الاسود و سرعتهم تفوق الفهود يستطيعوا ان يحطموا اي سلسلة يربطوا بها و حين يسئله التلاميذ عن سبب وجود هذه الوحوش في المدرسة كان يقول انه اثناء بناء المدرسة من عشر اعوام كان صاحب المدرسة يهوى تربية الحيوانات الشرسة و كان قد اهداه صديق له بالخارج ست جراء و قال له انهم من اشرس انواع الكلاب على الاطلاق. و كان بيته في هذا الوقت كان يشهد تجديدات و في نفس الوقت كان قد اكتمل الدور السفلي في المدرسة فاضطر الى ان يضعهم في غرفة فيه و كان يضع لهم الطعام كل فترة.و بعد شهرين توفى صاحب المدرسة و لم يكن يعرف احد عن امر الكلاب غير صديقة مجاهد الذي لم يكن يحب التعامل مع الحيوانات الشرسة و لم يستطع ان يربيهم بمنزلة و لم يرد ايضاً بيعهم فهم ملك لصديقة العزيز فقرر ابقائهم بهذه الغرفة بالمدرسة حيث وضعهم صديقه و كان يضع لهم الطعام باسلوب معين كي لا يغضبوا و ياكلوه… هذه القصة سمعوها كثيرا من الاستاذ مجاهد و حين يتناقلها الطلاب يضيفوا عليها خيالهم الخصب فتحولت الى اساطير مرعبة و حكايات مخيفة.

جلس محمود امام الغرفة المغلقة على الارض ينظر اليها و كان علي مضطرب و غير مطمأن فقال له “لماذا تجلس هنا امام هذه الغرفة؟ فالنكمال سيرنا افضل” فقاطعه محمود غير ابه بما قال:

_اتصدق ما يقال عن هذه الغرفة؟

_بالطبع يا محمود. لطالما قال لنا الاستاذ مجاهد عما بداخلها.

_و لكن…

_الديك شك في هذا الكلام؟

_لا, لكن لم يرى احد هذه الكلاب, اليس كذلك يا علي؟

_اتريد ان يراها احد لتاكله؟ ثم ان الاستاذ نجاهد راها بنفسة

_من الممكن ان يكون يكذب علينا

_و لماذا يكذب؟

_لا اعرف. لكني لطالما اردت ان ادخلها و اعرف ما بداخلها

فانفعل علي جداً قائلاً:_ اجننت يا محمود؟ اتريد ان تاكلك الكلاب؟

رد منفعلاً:_ انا لم ارى هذه الكلاب ولا انت يا علي!

_انسيت يا محمود حين حكى لنا احمد بانه راى حوافر الكلاب اسفل الباب تحاول كسره و كانت ضخمة جداً؟

_لا اصدقه

_و عمر حين سمع اصوات غريبة بداخلها, لا تصدقه ايضا؟

_لا. انا سادخل هذه الغرفة و اقتل شكوكي

_لقد جننت يا محمود انت ستقتل نفسك لا شكوكك, هيا بنا من هنا بعيدا عن هذه الغرفة

 اشتد الحوار بينهما و قال محمود:_لن اذهب. اذهب انت يا جبان

_لست جباناً, انا لا اريد ان اموت. انت مجنون

_اذاً اذهب و دعني و جنوني وحدنا

و بالفعل ذهب علي منفعلاً و يستمر في قول “اذهب في داهيه يا مجنون” و اكمل طريقة بعيداً عن الغرفة المرعبة تاركاً صديقة و ابن عمه محمود وحده و صعد الى مكتب الاستقبال ينتظر امه.و حين انطفئ غضبة قليلا من محمود شعر بالخوف عليه و صار يحدث نفسة “ماذا لو دخل محمود الغرفة و مات؟ ماذا ساقول لامه؟. لا, مستحيل ان يدخل. لكنه لن يدخل. بلى, سيدخل فقد عزم على ذلك. لا لا, لن ينفذ عزمة. لكن محمود لطالما كان طائش ينفذ ما يريد. نعم. من الممكن ان يدخل. بل بالطبع سيدخل.” و هنا شعر علي بالخوف الشديد على محمود. “و ماذا سافعل حيال ذلك؟ ساتركه يدخل؟ حتى لو ذهب لن يسمع لكلامي. ما هذا الذي اقوله؟ بالطبع هو بالداخل الان. و هل ساتركه بالداخل؟ من الممكن ان يموت. و ماذا سافعل؟ من الممكن ان ياكلوني الكلاب. لكنهم سياكلوه. يا الاهي, ما الذي فعلته. كيف تركته وحده. يجب ان انقذه!”

و بالفعل تحرك مسرعاً الى الطابق السفلي و -كان صوت الامطار توقف- و قلبة ينبض خوفا و املا ان يجد محمود ما يزال خارج الغرفة. اذا به يصل امام الغرفة, لا يجد محمود و نظر للغرفة وجد بابها موارب. فشعر كأن السماء طبقت عليه, يكاد قلبه يقفز من صدره من النبض. اقترب ببطئ الى الباب و يدفعة شيئا فشيئا ليرى ما بداخلها لكن كان الضوء ضعيف جدا. ففتح الباب كاملا ليدخل النور الغرفة و هو ما يزال بالخارج متحفزا. نظر بطرف عينه ليجد سلم مستقيم و طويل للاعلى يكاد طوله يبلغ السماء لا يجد له اخر من الظلام. فبدأ صعود السلم و يملأه الخوف و لكن يدفعة الفضول و خوفة على محمود للأمام و العرق يتصبب منه كالمطر و بدأ اخر السلم يبدو اوضح فكان باب اخر و ظل يقترب حثيثا حتى وصل لهذا الباب و كان متيقن ان هذا الباب خلفة الوحوش. ففتح ببطئ شديد و ريقه يُبلع كالحجر من شدت الخوف. فتح جزء صغير جدا كي يرى ما يوجد بالخلف فكان هناك ضوء شديد فازداد خوفا. لكنه استجمع شجاعته و فتحه فاذا به يرى ضوء الشمس و حين وضحت الرؤية راى الشارع الخلفي للمدرسة و محمود يقف امامه يبتسم و يقول: “اظن ان الوحوش في اجازة” صدم علي و ذابت كل مخاوفة و اختفت و ايقنوا ان المدير كان يكذب عليهم كي لا يهربوا من المدرسة. ز من ذلك الوقت كان يذهب محمود و علي الى المدرسة مرفوعين الراس كالملوك او الابطال لا يخشون شيئاً و قلوبهم تعرف اليقين

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: